ابن المقفع

118

آثار ابن المقفع

عنده ، فإذا رأى الناس ذلك أخذوا حليهم وأراحوك من الأسود . فانطلق الغراب محلقا في السماء فوجد امرأة من بنات العظماء على شاطىء نهر تغتسل وقد وضعت ثيابها وحليها ناحية . فانقض واختطف من حليها عقدا وطار به . فتبعه الناس ولم يزل طائرا واقعا بحيث يراه كل أحد حتى انتهى إلى جحر الأسود ، فالقى العقد عليه والناس ينظرون إليه . فلما أتوا أخذوا العقد وقتلوا الأسود . وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن الحيلة تجزىء « 1 » ما لا تجزىء القوة . قال كليلة : إن الثور لو لم يجتمع مع شدته رأيه لكان كما تقول ، ولكن له مع شدته وقوته حسن الرأي والعقل ، فما ذا تستطيع له ؟ قال دمنة : إن الثور لكما ذكرت في قوته ورأيه ولكنه مقر لي بالفضل ، وأنا خليق أن أصرعه « 2 » كما صرعت الأرنب الأسد . قال كليلة : وكيف كان ذلك ! مثل الأرنب والأسد قال دمنة : زعموا أن أسدا كان في أرض كثيرة المياه والعشب ، وكان في تلك الأرض من الوحوش في سعة المياه والمرعى شيء كثير ، إلا أنه لم يكن ينفعها ذلك لخوفها من الأسد . فاجتمعت وأتت إلى الأسد فقالت له : إنك لتصيب منا الدابة بعد الجهد والتعب ، وقد رأينا لك رأيا فيه صلاح لك وأمن لنا ، فإن أنت امنتنا ولم تخفنا

--> ( 1 ) تجزىء : تغني وتكفي . ( 2 ) أصرعه : أهلكه .